أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
391
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والجملة المنفية بعدها في محل رفع خبر لها والجملة بعدها إن كانت فعلية فتتلقى ب « قد » كقوله : 1613 - لا يهولنك اصطلاؤك للحر * ب فمحذورها كأن قد ألما « 1 » أو بلم كهذه الآية وقوله كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ « 2 » وقد تلقيت ب « لما » في قول عمار الكلبي : 1614 - بددت منها البالي شملهم * فكأن لما يكونوا قبل ثم « 3 » قال الشيخ « 4 » : ويحتاج مثل هذا إلى سماع من العرب وقال ابن عطية : و « كأن » مضمنة معنى التشبيه ولكنها ليست كالثقيلة في الاحتياج إلى الاسم والخبر وإنما تجىء بعدها الجمل وظاهر هذه العبارة أنها لا تعمل حين تخفيفها وقد تقدم أن ذلك قول الكوفيين لا البصريين ويحتمل أنه أراد بذلك أن الجملة بعدها لا تتأثر بها لفظا لأن اسمها محذوف والجملة خبر لها . وقرأ ابن كثير وحفص يكن » بالياء لأن المودة في معنى الود ولأنه قد فصل بينها وبين فعلها والباقون بالتاء اعتبارا بلفظها و « يكون » تحتمل أن تكون تامة فيتعلق الظرف بها أو بمحذوف لأنه حال من مودة إذ هو في الأصل صفة نكرة قدم عليها وأن تكون ناقصة فيتعلق الظرف بمحذوف على أنه خبرها . واختلف الناس في هذه الجملة - على ثلاثة أقوال : الأول : أنها لا محل لها من الإعراب اعتراضية وعلى هذا فما المعترض بينهما ؟ وجهان الأول منهما : أنها معترضة بين جملة الشرط التي هي « فإن أصابتكم » وبين جملة القسم التي هي « ولئن أصابتكم » والتقدير : فإن أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم اللّه عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ولئن أصابكم فضل فأخرت الجملة المعترض بها - أعني قوله : « كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ » - والنية بها التوسط وهذا قول الزجاج وتبعه الماتريدي « 5 » ورد الراغب الأصبهاني هذا القول بأنه مستقبح لأنه لا يفصل بين بعض الجملة وبعض ما يتعلق بجملة أخرى قلت : هذا من الزجاج كأنه تفسير معنى لا إعراب يدل على ذلك ما أذكره عنه من تفسير الأعراب . الثاني من الوجهين : أن تكون معترضة بين القول ومفعوله والأصل : « ليقولن يا ليتني كنت معهم كأن لم تكن » وعلى هذا أكثر الناس ولكن اختلفت عباراتهم في ذلك ولا يظهر المعنى إلا بنقل نصوصهم فلننقلها فقال الزمخشري : اعتراض بين الفعل الذي هو « لَيَقُولَنَّ » وبين مفعوله وهو « يا لَيْتَنِي » والمعنى : كأن لم يتقدم له معكم مودة لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن والظاهر أنه تهكم لأنهم كانوا أعدى عدو للمؤمنين وأشدهم حسدا لهم فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس والتهكم ؟ وقال الزجاج : هذه الجملة اعتراض أخبر تعالى بذلك لأنهم كانوا يوادون المؤمنين وقال ابن عطية : المنافق يعاطي المؤمنين المودة ويعاهد على التزام كلف الإسلام ثم يتخلف نفاقا وشكا وكفرا باللّه ورسوله ثم يتمنى عندما ينكشف الغيب الظفر للمؤمنين فعلى هذا
--> ( 1 ) انظر البيت في التصريح ( 1 / 235 ) ، الأشموني ( 1 / 294 ) ، شرح الشذور ( 350 ) ، البحر ( 3 / 292 ) . ( 2 ) سورة يونس ، الآية ( 24 ) . ( 3 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 292 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 292 ) . ( 5 ) هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي له تأويلات القرآن وتأويلات أهل السنة ، وهو كتاب تفسير لدينا نسخة مخطوطة منه كاملة وإن شاء اللّه سنقوم بتحقيقه انظر ( 7 / 19 ) .